صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
145
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
تعذّبهم ؛ لأنّ قربة العبوديّة تستدعي إحسان السّيّد إلى عبده ورحمته . فلماذا يعذّب أرحم الرّاحمين ، وأجود الأجودين ، وأعظم المحسنين إحسانا عبيده ؟ لولا فرط عتوّهم ، وإبائهم ، عن طاعته ، وكمال استحقاقهم للعذاب . وقد تقدّم قول إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي هم عبادك ، وأنت أعلم بسرّهم وعلانيتهم ، فإذا عذّبتهم : عذّبتهم على علم منك بما تعذّبهم عليه . فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه . وهذا هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله ، وكمال علمه بحالهم ، واستحقاقهم للعذاب . ثمّ قرأ : وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( المائدة / 118 ) . ولم يقل : « الغفور الرّحيم » وهذا من أبلغ الأدب مع اللّه تعالى . فإنّه قال في وقت غضب الرّبّ عليهم ، والأمر بهم إلى النّار ، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة ، بل مقام براءة منهم . فلو قال « فإنّك أنت الغفور الرّحيم » لأشعر باستعطافه ربّه على أعدائه الّذي قد اشتدّ غضبه عليهم . فالمقام مقام موافقة للرّبّ في غضبه على من غضب الرّبّ عليهم . فعدل عن ذكر الصّفتين اللّتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزّة والحكمة ، المتضمّنتين لكمال القدرة وكمال العلم . والمعنى : إن غفرت لهم فمغفرتك تكون من كمال القدرة والعلم ، ليست عن عجز عن الانتقام منهم ، ولا عن خفاء عليهم بمقدار جرائمهم . وهذا لأنّ العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه ، ولجهله مقدار إساءته إليه . والكمال : هو مغفرة القادر العالم ، وهو العزيز الحكيم . وكان ذكر هاتين الصّفتين في هذا المقام عين الأدب في الخطاب . وفي بعض الآثار « حملة العرش أربعة : اثنان يقولان : سبحانك اللّهمّ ربّنا وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك . واثنان يقولان : سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك » ولهذا يقترن كلّ من هاتين الصّفتين بالأخرى ، كقوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ وقوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً . وكذلك قول إبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( الشعراء / 78 - 80 ) . ولم يقل « وإذا أمرضني » حفظا للأدب مع اللّه . وكذلك قول الخضر عليه السّلام في السّفينة فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ( الكهف / 79 ) . ولم يقل « فأراد ربّك أن أعيبها » وقال في الغلامين فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ( الكهف / 82 ) . وكذلك قول مؤمني الجنّ وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ( الجن / 10 ) . ولم يقولوا « أراده ربّهم » ثمّ قالوا أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً . وألطف من هذا قول موسى عليه السّلام : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( القصص / 24 ) . ولم يقل « أطعمني » . وقول آدم عليه السّلام رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( الأعراف / 23 ) . ولم يقل « ربّ قدّرت عليّ وقضيت عليّ » .